يكتب الباحث والمخرج باسل رمزي قراءة شخصية وسياسية عميقة لتجربته الممتدة بين تونس ومصر بعد ثورات الربيع العربي، متتبعًا كيف تحوّل الحلم إلى ذاكرة مثقلة بالخيبة، وكيف أعادت السنوات رسم علاقة الشعوب بالسياسة والحرية والخوف.


ينشر هذا المقال موقع المنصة في إطار مقالات الرأي والتحليل التي تقارب التحولات السياسية في المنطقة من زاوية إنسانية وتجريبية، حيث تتقاطع السيرة الشخصية مع التاريخ العام، ويبرز أثر الانكسار الثوري على المجتمعات في مصر وتونس خلال العقدين الأخيرين.


من وهج الثورة إلى برود ما بعد الحلم


ينطلق الكاتب من تونس عام 2012، حين كانت البلاد تعيش ذروة ما بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، حيث امتلأ الفضاء العام بطاقة ثورية صاعدة، وشعور جمعي بأن المستحيل أصبح قابلًا للكسر. كان الشباب يدخل السياسة لأول مرة، وكانت الهوية العامة تُعاد صياغتها على وقع انتصارات أولية بدت واعدة بمستقبل مختلف.


لكن هذا الوهج، كما يصفه، لم يصمد طويلًا. فمع مرور السنوات، خاصة بين 2017 و2022، بدأت تلك الطاقة تتراجع تدريجيًا، لتحل محلها خيبات اقتصادية وسياسية واجتماعية. ومع صعود قيس سعيّد إلى السلطة، تبدلت ملامح المجال العام، وبدأت مؤشرات الانكماش السياسي تظهر بوضوح، مع تقلص مساحات التعبير وازدياد حالة الحذر بين الفاعلين.


تونس ومصر: مساران يلتقيان في القمع


يقارن الكاتب بين التجربة التونسية والمصرية، معتبرًا أن نقطة التحول الحاسمة في مصر جاءت بعد 2013 وما تلاها من أحداث دامية مثل فض اعتصام رابعة، حيث دخلت البلاد مرحلة أكثر قسوة من القمع والانغلاق. بينما احتفظت تونس، لفترة أطول، بهامش نسبي من التعدد السياسي والاحتجاج، رغم تراجع الزخم الثوري.


يشير النص إلى أن الشعور العام في مصر بعد الثورة ارتبط بارتفاع حاد في الأعباء المعيشية وتقلص فرص الفعل السياسي، ما دفع بعض الأصوات إلى الحنين الساخر إلى ما قبل 2011. في المقابل، شهدت تونس مسارًا مختلفًا نسبيًا، حيث ظل احترام الدم العام حاضرًا في المشهد لفترة أطول، رغم التوترات السياسية المتصاعدة لاحقًا.


ومع ذلك، يلتقي المساران في نقطة مشتركة خلال السنوات الأخيرة: تضييق المجال العام، تصاعد الاعتقالات، وتراجع العمل السياسي المستقل، إضافة إلى استخدام ملفات مثل الهجرة واللاجئين كأدوات ضغط سياسي واجتماعي في البلدين.


ما تبقى من الحلم الثوري


في الفترات الأحدث من زياراته لتونس عامي 2025 و2026، يلاحظ الكاتب عودة السياسة إلى الشارع ولكن بصورة مختلفة؛ حضور مكثف للقضية الفلسطينية، وتعبئة رمزية حولها، بالتوازي مع تراجع النقاشات الداخلية حول الإصلاح والحرية. ثم سرعان ما يتبدل المشهد مع حملة اعتقالات وتضييق على منظمات المجتمع المدني، ما يعيد أجواء القلق إلى الفضاء العام.


ورغم هذا الانكماش، يرى الكاتب أن تونس ما زالت تحتفظ بفرق جوهري مقارنة بمصر، يتمثل في استمرار وجود فاعلين شباب منخرطين في العمل السياسي المباشر، وعدم انحصار السياسة داخل هياكل حزبية جامدة أو شبه غائبة. هذا الحضور، رغم محدوديته، يبقي على نبض مختلف للحياة العامة.


ينتهي النص إلى فكرة مركزية: أن الثورة، حتى حين تُهزم، تترك أثرًا لا يُمحى. فمجرد رؤية لحظة الحرية، ولو عابرة، تكفي لتغيير وعي الأفراد والجماعات إلى الأبد. هذا الأثر هو ما يسميه الكاتب “لعنة الثورة”، ليس لأنها جلبت الخراب، بل لأنها كشفت إمكانية عالم آخر أكثر عدلًا وانفتاحًا، ثم تركت الجميع في مواجهة فقدانه.


وهكذا، بين تونس ومصر، لا يبدو السؤال عن نجاح الثورة أو فشلها بقدر ما يبدو عن ما تبقى منها داخل الذاكرة الجمعية، وعن كيف يستمر هذا الأثر في تشكيل علاقة الشعوب بالسلطة، وبالأمل، وبالخسارة نفسها.

 

https://almanassa.com/en/stories/32311